محمد محمد أبو موسى
27
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
انظر إلى ما شئت من مقررات النحاة والصرفيين والبلاغيين ، تراها تقوم على تقصى الخصوصية اللغوية وحصرها وعدها ، في الأدب كله ، والشعر كله ، والكلام كله ، ولم تصبح قاعدة يسلكها العلماء في علومهم الا بهذا الاستقصاء . انظر إلى قولهم : ان « كان » ترفع المبتدأ وتنصب الخبر ، تجد وراء ذلك استقصاء هذا الفعل في الكلام كله ، ثم دراسة نظام الجمل التي وقع فيها هذا الفعل بمتصرفاته في هذه المادة اللغوية المتسعة ثم استخراج القاعدة من هذه الاستعمالات . وهكذا تأمل الأحوال التركيبية التي فيها تفصيل مثل قولهم : ان « لا » النافية للجنس تعمل عمل « ان » بشروط هي كذا وكذا ، وأن اسمها إذا كان مضافا أو شبيها بالمضاف أعرب ، وأنه إذا كان مفردا بنى على الفتح ، وأنها إذا تكررت كان من شأنها كذا ، تأمل في كل هذا تجده انما تأسس على استقصاء كامل لهذه الأداة ، ثم دراسة العناصر اللغوية الداخلة في تكوين جملتها ، وتحليلها عنصرا عنصرا وتصنيفها ورصد أحوالها ثم رصد حركة اللغة التي تختلف توقيعاتها تبعا لاختلاف الأحوال وتنوعها ، ثم إن اختلاف التوقيعات اللغوية كثيرا ما تلحظ فروقا دقيقة وأحوالا عجيبة إلى آخر ما يدهشك في هذا ، وتستقل معه ما تقوله من دراسة « قفا نبك » دراسة تعد فيها الخصائص واحدة واحدة . ونحن في هذا انما نريد أن تعود الدراسة الأدبية إلى مناهج الجد التي نهجها علماؤنا . * * * هذا ذرو من علوم القرآن أشرنا اليه ، وهناك حول القرآن مناهج للدراسة الأدبية كثيرة ومتنوعة ، ولكنها مكفوفة هناك ، وحسبك طريقة المفسرين الذين يقفون عند كل لفظة ، وكل تركيب يتأملون ويستخرجون ، ويعتصرون الكلمات اعتصارا . وحسبك أيضا ما أثاره علماء الاعجاز ، وما نهجوه من طرق لدرس الشعر حتى أنهم قالوا : انه لا سبيل إلى معرفة الاعجاز الا التوسع